أبي حيان الأندلسي
27
البحر المحيط في التفسير
لو وجبت الدّية لعطفها على الصيام ، وإلى هذا ذهب : الشعبي ، ومسروق ، وذهب الجمهور : إلى وجوب الدّية . قال ابن عطية : وما قاله الشعبي ومسروق وهم ، لأنّ الدّية إنما هي على العاقلة وليست على القاتل انتهى . وليس بوهم ، بل هو ظاهر الآية كما ذكرناه . ومعنى التتابع : لا يتخللها فطر . فإن عرض حيض في أثنائه لم يعد قاطعا بإجماع . وليس له أن يسافر فيفطر ، والمرض كالحيض عند : ابن المسيب ، وسليمان بن يسار ، والحسن ، والشعبي ، وعطاء ، ومجاهد ، وقتادة ، وطاوس ، ومالك . وقال ابن جبير ، والنخعي ، والحكم بن عتيبة ، وعطاء الخراساني ، والحسن بن حي ، وأبو حنيفة وأصحابه : يستأنف إذا أفطر لمرض . وللشافعي القولان . وقال ابن شبرمة : يقضي ذلك اليوم وحده إن كان عذر غالب كصوم رمضان . تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ انتصب على المصدر أي : رجوعا منه إلى التسهيل والتخفيف ، حيث نقلكم من الرقبة إلى الصوم . أو توبة من اللّه أي قبولا منه ورحمة من تاب اللّه عليه إذا قبل توبته . ودعا تعالى قاتل الخطأ إلى التوبة ، لأنه لم يتحرز ، وكان من حقه أن يتحفظ . وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً أي عليما بمن قتل خطأ ، حكيما حيث رتب ما رتب على هذه الجناية على ما اقتضته حكمته تعالى . وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً نزلت في مقيس بن صبابة حين قتل أخاه هشام بن صبابة رجل من الأنصار ، فأخذ له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الدّية ، ثم بعثه مع رجل من فهر بعد ذلك في أمر ما ، فقتله مقيس ، ورجع إلى مكة مرتدا وجعل ينشد : قتلت به فهرا وحملت عقله * سراه بني النجار أرباب فارع حللت به وترى وأدركت ثورتي * وكنت إلى الأوثان أوّل راجع فقال صلى اللّه عليه وسلم : « لا أؤمنه في حل ولا حرم ، وأمر بقتله يوم فتح مكة وهو متعلق بالكعبة » وهذا السبب يخص عموم قوله : ومن يقتل ، فيكون خاصا بالكافر ، أو يكون على ما قال ابن عباس ، قال : معنى متعمدا أي : مستحلا ، فهذا . يؤول أيضا إلى الكفر . وأما إذا كانت عامة فيكون ذلك على تقدير شرط كسائر التوعدات على سائر المعاصي ، والمعنى : فجزاؤه إن جازاه ، أي : هو ذلك ومستحقه لعظم ذنبه ، هذا مذهب أهل السنة . ويكون الخلود عبارة